الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
242
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
يشغل فكر الإنسان هو النجاة في الآخرة . . وحاكمية الله في الدار الآخرة تتجلى أكثر منها في هذه الدنيا . وهكذا فإن القرآن يقطع أمل المشركين تماما - بشفاعة الأصنام - ويسد بوجوههم هذه الذريعة بأنها تشفع لهم " ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله " . وهناك احتمال آخر في تفسير الآيتين آنفتي الذكر : وهو أن يتوجه الإنسان نحو الله لعدم بلوغه أمانيه وما يرغب إليه . . لأن الآية الأولى من الآيات محل البحث تقول : أم للإنسان ما تمنى ؟ وهذا استفهام إنكاري ، وحيث أن جواب هذا الاستفهام أو السؤال بالنفي قطعا ، لأن الإنسان لا ينال كثيرا من أمانيه أبدا ، وهذا يدل على أن تدبير هذا العالم بيد أخرى تتحكم في هذا العالم ، ولذلك فإن الآية الثانية تقول : حيث كان الأمر كذلك فلله الآخرة والأولى ! وهذا المعنى يشبه ما جاء في كلام الإمام أمير المؤمنين علي ( عليه السلام ) : " عرفت الله بفسخ العزائم وحل العقود ونقض الهمم " ( 1 ) . ولا يبعد الجمع بين هذا التفسير والتفسير السابق أيضا . وفي آخر الآيات محل البحث يقول القرآن مضيفا ومؤكدا على هذه المسألة : وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى . فحيث لا تستطيع الملائكة على عظمتها حتى ولو بشكل جماعي أن تشفع لأحد إلا بإذن الله ورضاه ، فما عسى ينتظر من هذه الأصنام التي لا قيمة لها ، وهي لا تعي شيئا ! ؟ . وحينما تتساقط النسور المحلقة وتهوي بأجنحتها عاجزة فما تنفع البعوضة الضعيفة ؟ أليس من المخجل أن تقولوا إنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى ، أو هؤلاء شفعاؤنا عند الله ؟ !
--> 1 - نهج البلاغة ، الكلمات القصار - الكلمة رقم 250 .